ما وراء حب ترمب لـ”تيك توك”

دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الهجوم على الصين وانتقاد العلاقة الاقتصادية معها، واتهامها بالتجسس على الأمريكيين. كما توعد بزيادة التعرفة الجمركية للحد من صادراتها التي صارت تشمل قطاع الأونلاين مثل “شي إن”. لكنه هو الرئيس نفسه الذي يوقع أمرا تنفيذيا في اليوم الأول لولايته الثانية والأخيرة لإنقاذ تيك توك.

ورغم أن ترمب نفسه اعتبر في ٢٠٢٠ أن تيك توك تهديد للأمن القومي الأمريكي عندما أصدر أمرا تنفيذيا يحظر التطبيق الصيني ألغته لاحقا المحكمة العليا، وقع هذه المرة عقب حفل تنصيبه مباشرة على قرار بالسماح للتطبيق الصيني بالاستمرار بالعمل داخل الولايات المتحدة لمدة ٧٥ يوما إلى حين عثور ملاكه الصينيين على مشتر أمريكي.

وكان التطبيق محل تجاذب بين إدارة ترمب الأولى ولاحقا بايدن إلى أن وقع الأخير في ٢٤ إبريل ٢٠٢٤ قانونا أعده الكونغرس لحظر تيك توك ابتدء من ١٩ يناير ٢٠٢٥ بهدف “حماية الأمريكيين من التطبيقات التي يسيطر عليها الخصم الأجنبي” نظرا لانكشاف بيانات المستخدمين الأمريكيين على الحكومة الصينية وأجهزتها الاستخبارية والعسكرية.

لكن ما الذي يدفع ترمب عدو تيك توك السابق إلى التعهد خلال حملته الانتخابية الأخيرة بإنقاذ التطبيق؟
بالتأكيد ليس الإعجاب به فقط كما صرح، بل أن هناك عوامل عدة سنستعرضها تباعا وترتبط ارتباطا وثيقا بشخصية ترمب.

يعرف ترمب بهوسه بالشهرة وحب الوصول للجماهير. فبعد اقتحام الكونغرس في ٦ يناير ٢٠٢٠، حظرت تطبيقات تواصل أمريكية على رأسها تويتر وفيسبوك وانستغرام حساباته. الأمر الذي لم يتقبله مطلقا ودفعه إلى إطلاق تطبيقه الخاص “تروث سوشال”، لكنه لم يلق رواجا ملحوظا.

في المقابل، شكل تيك توك بقاعدة مستخدميه المليارية نافذة لترمب على جمهور عريض لا سيما بين الشباب والمراهقين الأمريكيين. إذ يقدر عدد مستخدمي تيك توك في الولايات المتحدة بحوالي ١٧٠ مليونا أي نصف عدد السكان. كما أن الأرقام تشير إلى استقطاب تيك توك لثلثي المراهقين الأمريكيين وتحوله إلى المصدر رقم ١ للأخبار بين الشريحة المستخدمة.

ترمب ومن خلال حسابه على تيك توك الذي يبلغ عدد متابعيه ١٥ مليونا حتى الآن، استهدف شريحة مختلفة من الناخبين الأمريكيين. ليؤكد أنه لولا تيك توك لم يتمكن من الحصول على أصوات الناخبين الشباب وأنه أمر لم يشهده الحزب الجمهوري في تاريخه. وقد لعب نجله بارون دورا بارزا في هندسة علاقات والده مع صناع المحتوى المعروفين باسم التيكتوكرز للوصول إلى أكبر شريحة من جيل زد.

الأمر الآخر الذي يهم ترمب، هو عالم المال والأعمال، إذ قال للأمريكيين “سواء كنتم تحبون تيك توك أم لا، سنجني الكثير من الأموال منه”. فهو يتطلع خلال هذه المهلة الممنوحة لاستحواذ شركة أمريكية على خمسين في المئة من قيمة التطبيق المليارية، واسم إيلون ماسك ليس بعيدا عن كواليس الصفقات.

وبالحسابات الدفترية، فإن تيك توك يضيف ٢٤ مليار دولار للناتج المحلي الأمريكي الإجمالي، ويساهم في خلق ٢٢٤ ألف وظيفة ونمو ٧ مليون شركة أمريكية، ويهيمن على ٤٪ من سوق الإعلانات الذي تبلغ قيمته ٣١٠ مليار دولار في ٢٠٢٤.

ولا يهم ترمب الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل أيضا يهمه تمويل حملته الانتخابية ومصالحه الشخصية. فقد كشفت تحقيقات استقصائية أن أحد كبار المتبرعين بملايين الدولارات للحزب الجمهوري رجل الأعمال جيف ياس يملك حصة كبيرة في شركة بايت دانس الصينية المالكة لتيك توك. 

في المقابل، سيواجه ترمب بتحديات أمنية تفرضها أجهزة ما يسميها هو بالدولة العميقة خصوصا مجمع الاستخبارات الوطني. فتيك توك يستحوذ على بيانات لنحو ملياري مستخدم من حول العالم مما يجعله عائما على آبار من نفط القرن الواحد والعشرين “الداتا”. كما أن خوارزميته لم يستطع أحد حتى الآن تفكيك شيفرتها الإدمانية التي تجذب انتباه مستخدميه الأمريكيين لحوالي ثمانين دقيقة يوميا. 

وهذه البيانات العملاقة لم تعد محصورة بسلوكيات المستخدم البسيطة وذوقه العام لاستهدافه بحملات تسويقية بل بما يعرف باسم “اقتصاد الانتباه”. وكل معلومة أو خطوة يقوم بها المستخدم تستعمل في تدريب خوارزميات الذكاء الصناعي. وهذا المجال سيكون عنوانا لحرب لن تكون باردة بين الولايات المتحدة والصين، ولن ينفع في تجنبها ستار من السيليكون. 

ورغم أن الولايات المتحدة حظرت هواوي سابقا، فقد أجبرت تيك توك على نقل خوادم بيانات مستخدميها الأمريكيين إلى تكساس في ٢٠٢٠. إلا أن المسؤولين الأمنيين الأمريكيين يؤكدون أن هذا لن يكون كافيا ولن يمنع الشركة الصينية الأم من الاطلاع على البيانات وتوظيفها لتوجيه الجمهور الأمريكي والتحكم بميوله السياسية والتسويقية.

أضف تعليق