منذ فرار بشار الأسد فجر ٨ ديسمبر الماضي وسقوط نظامه انخرط السوريون في نقاشات عن شكل المرحلة المقبلة من البلاد وملامح السلطة فيها وحيثيات التمثيل فيها.
وقد تعرضت تعيينات وقرارات القيادة العامة، بإدارتيها الشؤون السياسية والعمليات العسكرية، إلى سيل من الانتقادات بشأن شرعيتها وقانونيتها، ومدى عكسها للتمثيل الجندري والمناطقي والطائفي. وبين المزح والجد بلغ النقد اتهام القيادة العامة بتكريس حالة الأدلبة باعتبار أن غالبية المناصب تولاها أشخاص من محافظة إدلب، بعد عقود من القردحة نسبة للقرداحة مسقط رأس الأسد.

ولما كانت الضرورة تقتضي ملء الفراغ وحسم النقاش مؤقتا لا سيما أن البلاد تحتاج إلى رأس مؤقت، أعلن مؤتمر النصر في ٢٩ يناير سلسلة من القرارات أهمها تولية أحمد الشرع رئاسة البلاد في المرحلة الانتقالية، وإلغاء العمل بالدستور، وحل مجلس الشعب، وكذلك الجيش والأجهزة الأمنية وحزب البعث، إضافة إلى الفصائل العسكرية والأجسام الثورية السياسية والمدنية، وتفويض رئيس الجمهورية بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت إلى حين إقرار دستور للبلاد ودخوله حيز التنفيذ.
لم تأت هذه القرارات من عبث ودون نقاش واستشارات قانونية ودستورية، كما يقول أصحاب الشأن وكذلك خبراء وأكاديميون سوريون. إذ يستند عرابوها إلى “الشرعية الثورية” وهي مفهوم يستند إلى الإرادة الشعبية على قاعدة أنه لا يوجد ثورة في التاريخ تطيع القانون أو الدستور باعتبار أن اندلاع الثورة نفسه هو فعل غير دستوري ومخالف للقانون.
وبذلك، تستمد الثورة شرعيتها من نفسها بما يجعلها حالة فوق دستورية في مقاومتها للسلطة المستبدة على أن يكون ذلك بشكل مؤقت واستثنائي وينتهي مع انتهاء الفترة الانتقالية. وعليه، تحظى الحكومة أو الهيكل الإداري للدولة عقب الثورة بالشرعية وإن كانت غير منتخبة كونها تعبر عن إرادة عامة تهدف إلى التغيير بما يمنحها التفويض اللازم لقيادة المرحلة الانتقالية.
أما خلافا لمخرجات مؤتمر النصر فإن البديل كان البقاء على دستور ٢٠١٢ الذي يقضي بتولي نائب الرئيس منصب رئاسة البلاد حال شغور المنصب، لكن اختصار بشار الأسد للنظام بنفسه تسبب بانهيار كامل للمنظومة وتفككها، عدا أن القبول بدستور النظام المخلوع وكأنه إقرار بشرعيته ونتيجة الاستفتاء عليه.
لقد قضى نظام الأسد، الأب والابن، على أي مساحة أو فضاء عام للنقاش السياسي وأي محاولة لقيام مجتمع مدني طوال عقود على قاعدة أن “البعث” هو الحزب القائد للدولة والمجتمع. فألغى التنوع السياسي والفكري والثقافي واختزله بأحزاب فاشية وكرتونية لا تعرف سوى الطاعة العمياء لقرارات السيد الرئيس.
كما أن مجلس الشعب في عهده، والمنحل الآن، لم يكن سوى مجلسا للدمى احترف التصفيق وقوفا وفق النموذج الكوري الشمالي الذي أعجب به الأسد الأب خلال زيارته لها عام ١٩٧٤ ولقائه بالزعيم كيم إيل سونغ.
يقول زائرو دمشق والمدن السورية بعد سقوط النظام أن أولويات السوريين في هذه الفترة الانتقالية الصعبة هي تحقيق السلم الأهلي وفرض الأمن، وتحسين الظروف المعيشية وتوفير الخدمات الأساسية، والكشف عن مصير المفقودين ومحاسبة مرتكبي الجرائم عبر عدالة انتقالية.
أما زوار قصر الشعب فيقولون إن أولويات الرئيس السوري أحمد الشرع وإدارته لا تختلف عن تطلعات السوريين لكنها أيضا تتركز على إرساء قواعد الحكم الجديد من خلال تحقيق الاعتراف به لا سيما الدولي، وإتمام وحدة الأراضي السورية وفرض السيادة تحت سلطة واحدة، وإرساء دعائم اقتصاد قوي، ورفع العقوبات، واستعادة مكانة سوريا الإقليمية والدولية.
لكن الأولويات هذه لا تلغي الأسئلة المشروعة عن مستقبل البلاد في هذه المرحلة الدقيقة وعن هوية الحكومة الانتقالية واللجنة التحضيرية التي ستشكل المجلس التشريعي، وكذلك عن المخاوف التي يثيرها هيمنة فريق واحد على كل مفاصل السلطة، إضافة إلى طمأنة الأقليات العرقية والطائفية بما لا يتعارض مع تمثيل الأكثرية.
يتخوف الحريصون على نجاح الثورة السورية من أن تطول الفترة الانتقالية وأن تخفق الشرعية الثورية في الوفاء بالتزاماتها وتؤجل عملية وضع الدستور وإجراء الانتخابات، وأن يرافق ذلك قمع للمعارضين حتى من أبناء الثورة نفسها، مما يؤدي إلى انقسامات داخلية وعزلة دولية.
وكما أن الأسئلة والمخاوف حق مشروع للسوريين فإن إعطاء الفرصة لأصحاب الشرعية الثورية الذين بذلوا التضحيات الجسام وأسقطوا النظام مطلب محق أيضا. ففي معظم دول العالم تمنح السلطة المنتخبة ١٠٠ يوم على الأقل أو حتى سنة كاملة ليتم تقويم عملها ومحاسبتها، بينما لم يمض على خلع الأسد سوى أسابيع حتى بدأت المساءلات في مشهد يوحي وأن سوريا في ظل النظام البائد كانت منارة للديمقراطية والحريات وموطنا للمراكز البحثية والدستورية.