في كل مرة أنظر فيها إلى الخريطة السورية كنت أتساءل عن سبب عدم وجود مقاومة مسلحة في الجولان المحتل، ذي الغالبية الدرزية، منذ احتلته إسرائيل عام 1967، وكذلك كنت أطرح السؤال نفسه عن غياب أي مقاومة أو دعوات للعودة إلى سوريا من أبناء لواء اسكندرون السوريين وغالبيتهم من العلويين، منذ ضم تركيا للإقليم باستفتاء تثار شكوك بشأن نزاهته عام 1939.
التهميش والجوع والظلم.. احتلال آخر
وبعيدا عن أي تشكيك في الوطنيات فإن الأقليات من أبناء الجولان ولواء اسكندرون خضعوا للأمر الواقع وقدموا المصلحة الخدمية والإنمائية والاندماج ضمن دولة يحكمها القانون على أن يكونوا في وطن يعيشون فيه مهمشين وجائعين أو خائفين من ظلم النظام وبطش أجهزته الأمنية. إذ لا يمكن مقارنة حالة التهميش للسويداء، قبلة الدروز ومركز ثقلهم، مع أحوال أقربائهم في الجولان المحتل. والأمر نفسه ينسحب على علويين لواء اسكندرون مقارنة بالبلدات والقرى العلوية في الساحل السوري بما في ذلك القرداحة مسقط رأس حافظ الأسد.
إذ يشكل عنصر الخدمات والإنماء وكذلك حكم القانون واحترام الخصوصيات مفتاحا لضمان عدم خروج دعوات للانفصال أو الحكم الذاتي لا سيما من الأقليات ولو تحت “احتلال” خصوصا إذا كان البديل “المحرر أو المستقل” أسوأ بمراحل وأمثلته حاضرة على رؤوس الأشهاد في 14 محافظة سورية طوال 54 عاما على الأقل من حكم الأسدين.
وتثير التطورات الأخيرة في الجنوب السوري تساؤلات عن مستقبل المنطقة برمتها إذ أن أي تغيير في الخريطة السورية سينعكس تباعا على دول الجوار. وكانت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على محافظات الحسكة ودير الزور والرقة وإنشائها لإدارة ذاتية في 2014 قد دغدغت مشاعر الانفصال أو الحكم الذاتي للكرد وأقليات أخرى.

إسرائيل تدخل على الخط
وتصريحات بنيامين نتنياهو لجهة عدم السماح بوجود عسكري في جنوب سوريا، في القنيطرة ودرعا والسويداء، وعدم التسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية، تزامنا مع شن غارات على مواقع في الداخل السوري، عززت مرة أخرى سيناريوهات تقسيم سوريا. إذ شهدت الأيام الأخيرة دعوات للفدرالية في السويداء وفي بعض مناطق الساحل السوري من أبناء الطائفة العلوية.
وبلغ الأمر في البعض في الترويج لخرائط ذات ألوان مختلفة ترسم ممرا من جنوب سوريا إلى شمال شرقها بمحاذاة الحدود العراقية لتوثيق طروحات التقسيم. حتى في الداخل الإسرائيلي، انطلقت طروحات تبرر التوغل الإسرائيلي في القنيطرة وقمم جبل الشيخ من الناحية الأمنية وحتى العقائدية باعتبار أن “كل شبر في الجنوب السوري يحتوى على حفريات ومقابر وآثار تشهد على أمجاد بني إسرائيل”، وفق مئير المصري الأستاذ في الجامعة العبرية بالقدس.
دروز السويداء.. أصوات متعددة
وإذا استمعنا لأصوات العقل في السويداء لوجدنا أن المشترك بينها هو ضمان الأمن واحترام خصوصية المحافظة ذات الغالبية الدرزية وتمثيلها وتوفير الخدمات لها. فالدروز حاليا سواء على لسان شيخ العقل حكمت الهجري أو “حركة رجال الكرامة” يتفقون على ضرورة رفع التهميش الإنمائي والتمثيلي عن المحافظة وإن اختلفت طروحاتهم خصوصا بعد هروب الأسد الذي ادعى أن نظامه حامي الأقليات، ووصول إدارة جديدة تمثل الأغلبية السنية. وقد تعهد الرئيس السوري أحمد الشرع لوفد من مشايخ الطائفة بالعمل على ذلك بما فيه أيضا دراسة مطلبهم بفتح معبر حدودي مع الأردن.
والشيخ الهجري من أنصار اللامركزية الإدارية الموسعة بينما يرى رجال الكرامة وهو الفصيل المسلح الأكبر في المحافظة ضرورة الاندماج تحت مظلة الدولة السورية. وهذا يعبر أيضا عن مطلب الحراك المدني الثائر في السويداء الذي قاد المظاهرات ضد نظام الأسد المتهم بقتل الشيخ وحيد البلعوس مؤسس حركة رجال الكرامة في 2015.
ورغم وجود أصوات تطالب بما يشبه الكونفدرالية، أي الانفصال والبقاء الشكلي تحت مظلة الدولة السورية، وأخرى تدعو للانضمام تحت المظلة الإسرائيلية معظمها من فلول نظام الأسد المتورطين في دماء السوريين، إلا أنها تبقى محدودة ولا تعبر إلا عن فئة ضيقة بين الدروز.
وأعتقد أن أي مشروع لانفصال منطقة سورية أو مخطط لتقسيم البلاد ستواجه 5 معوقات داخلية وإقليمية:
الأول، القبول بالتقسيم أو انفصال منطقة يعني انهيار أحجار الدومينو في داخل سوريا وتشظي الخريطة إلى درجة قد تطالب فيها حلب بالانفصال عن دمشق. وهذا ليس من ضرب الخيال بالمناسبة. ويواجه ذلك برفض داخلي قوي عبر عنه الرئيس الشرع بأن سوريا لا تقبل القسمة فهي كل متكامل، مؤكدا على ضرورة احتكار الدولة لحمل السلاح.
الثاني، وقوع التقسيم في سوريا يعني حكما انتقاله إلى دول الجوار، وهو أمر لن تسمح به تركيا حيث الانتشار الكردي في الجنوب الشرقي إضافة إلى الثقل العلوي في ولاية هاتاي المحاذية للساحل السوري حيث تتمركز غالبية علوية أيضا. وكذلك العراق الذي يخشى دعوات انفصال إقليم الأنبار ذي الغالبية السنية. أما إيران فتتفق مع دول الإقليم على منع قيام دولة كردية حرصا على وحدة أراضيها، عدا عن قلق من تكتلات العرب في الأحواز والأذر في الشمال وأعراق أخرى مثل البلوش وغيرهم. أما الأردن فيواجه هو بدوره مشروعا آخر بتحويله إلى الوطن البديل للفلسطينيين.
الثالث، اختلاف الخصوصيات بين المناطق، فالإدارة الذاتية للكرد تمارس ممارسات احتلالية على مدن وبلدات عربية لا سيما في محافظتي دير الزور والرقة حيث الانتشار الواسع للمكون العربي، وبالتالي لولا الغطاء الدولي السياسي والعسكري لا سيما الأمريكي لا يمكن لهذا الإقليم الاستمرار على قيد الحياة. وسيرتبط مصير هذه الإدارة بالتفاهمات المستقبلية بين واشنطن وأنقرة.
الرابع، الخصوصية التاريخية لدروز السويداء، أرض جبل العرب، التي انطلق منها سلطان باشا الأطرش وفجر الثورة السورية في مواجهة الاحتلال الفرنسي. وهذا انعكس بمظاهرات عارمة في عموم المحافظة وفي القنيطرة ودرعا رفضا لتصريحات نتنياهو. إذ يختلف دروز السويداء وجبل لبنان عن دروز الجليل الذين وقعوا تحت تأثير المشروع الصهيوني منذ الثلاثينيات لفصلهم عن محيطهم العربي والإسلامي، كما يقول الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ابن كمال جنبلاط قائد الحركة الوطنية في مواجهة مشاريع الانعزال والاحتلال الإسرائيلي.
الخامس، إدراك الجانب الإسرائيلي أن أطماعه في الجنوب السوري ستفتح شهية مكبوتة في الإقليم منذ معاهدة لوزان في 1923، فدوائر صنع القرار في تركيا تحتفظ في أرشيفها بخرائط تعتبر فيها أن خط حلب الموصل هو الحدود الجنوبية لتركيا. قد لا يكون ذلك يعني تدخلا عسكريا مباشر بالضرورة، وإنما قد يترجم بتوقيع معاهدة دفاع مشترك بين الجانب التركي والسوري.
ليست سيناريوهات التقسيم مستحيلة، فوعد آرثر بلفور وسكاكين جورج سايكس ومارك بيكو فعلتها من قبل. لكنه أصبح من الصعوبة بمكان تقسيم المقسم إذ أن أبناء المنطقة يجب أن يكونوا قد تعلموا الدرس من أن مشاريع التهجير والتقسيم لن تكون في مصلحتهم بل على حسابهم.